ابراهيم بن عمر البقاعي

390

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

تُكَذِّبانِ * أبنعمة السمع من فوق أو غيرها ، ألم يكن لكم فيما شهدتموه في الدنيا من دلائل ذلك وآياته ما يوجب لكم الإيمان . ولما كان هذا مما لم تجر عادة بعمومه وإن استطردت بجريانه منه في أشياء منه في أماكن متفرقة كأشخاص كثيرة ، بين لهم وقته بقوله : فَإِذَا أي فيتسبب عن هذا الإرسال أنه إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ من هوله وعظمته فكانت أبوابا لنزول الملائكة وغيرهم ، وغير ذلك من آيات اللّه فَكانَتْ لما يصيبها من الحر وَرْدَةً أي حمراء مشرقة من شدة لهيبه ، وقال البغوي : كلون الفرس الورد وهو الأبيض الذي يضرب إلى حمرة وصفرة . كَالدِّهانِ أي ذائبة صافية كالشئ الذي يدهن به أو كالأديم الأحمر والمكان الزلق ، وآية ذلك في الدنيا الشفقان عند الطلوع وعند الغروب ، وجواب ( إذا ) محذوف تقديره : علمتم ذلك علما شهوديا ، أو فما أعظم الهول حينئذ ونحو ذا أن يكون الجواب شيئا دلت عليه الآيات الآتية نحو : فلا يسأل أحد إذ ذاك عن ذنبه ، وحذفه أفخم ليذهب الوهم فيه كل مذهب . ولما كان حفظ السماء عن مثل ذلك بتأخير إرسال هذا وغيره من الأسباب وجعلها محل الروح والحياة والرزق من أعظم الفواضل قال مسببا عنه : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما أي المربي لكما هذا التدبير المتقن تُكَذِّبانِ * أبنعمة السمع من تحت أو غيرها وليس شيء بما أخبرتكم به من أحوال الآخرة إلا قد أقمت لكم في الدنيا ما تهتدون به إلى العلم بكونه . ولما كان يوم القيامة ذا ألوان كثيرة ومواقف مهولة طويلة شهيرة تكون في كل منها شؤون عظيمة وأمور كبيرة ، ذكر بعض ما سببه هذا الوقت من التعريف بالعاصي والطائع بآيات جعلها اللّه سببا في علمها فقال : فَيَوْمَئِذٍ أي فسبب عن يوم انشقت السماء لأنه لا يُسْئَلُ سؤال تعرف واستعلام بل سؤال تقريع وتوبيخ وكلام ، وذلك أنه لا يقال له : هل فعلت كذا ؟ بل يقال له : لم فعلت كذا ، على أنه ذلك اليوم طويل ، وهو ذو ألوان تارة يسأل فيه وتارة لا يسأل ، والأمر في غاية الشدة ، وكل لون من تلك الألوان يسمى يوما ، فقد مضى في الفاتحة أن اليوم عبارة عن وقت يمتد إلى انقضاء أمر مقدر فيه ظاهر من ليل أو نهار أو غيرهما لقوله تعالى إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ [ القيامة : 30 ] أي يوم إذا بلغت الروح التراقي وهو لا يختص بليل ولا نهار ، وبناه للمفعول تعظيما للأمر بالإشارة إلى أن شأن المعترف بالذنب لا يكون خاصا بعهد دون عهد بل يعرفه كل من أراد علمه ، وأضمر قبل الذكر لما هو مقدم في الرتبة ليفهم الاختصاص فوجد الضمير لأجل اللفظ فقال : عَنْ ذَنْبِهِ أي خاصة وقد سئل المحسن عن حسنته سؤال تشريف له وتنديم لمن دونه . ولما كان الإنس أعظم مقصود بهذا ، ولهذا كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم منهم ، وكان التعريف